السيد عبد الأعلى السبزواري
63
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
أقول : ليس الحصر الوارد فيها حقيقيا حتى يتحقّق التنافي ، بل هو من الحصر الإضافي الاعتباري ، والمراد منها ما فسّره علي عليه السّلام : « ان القرآن حمال ذو وجوه » ، أي يحمل كلّ وجه إن طابق الموازين الشرعية والعقلية . ومن ذلك يعرف أن تفسيرها بالقراءة أو بالبطن ، أو تفسيرها بالأمر أو الزجر والترغيب والترهيب والجدل والقصص - كما مرّ - لا يوجب التنافي ، لفرض عدم كونها في مقام بيان التحديد الحقيقي . بحث عرفاني : المراد من العلم في قوله تعالى : وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ، هو العلم بالمعارف الحقّة وحقائق الأشياء التي توجب السعادة الأبدية وخروج النفس الإنسانية عن حدود الحيوانيّة والبهيميّة ووصولها إلى منتهى أوج الروحانيّة المجرّدة ، بواسطة معرفة الموحي والوحي والموحى إليه والإذعان علما وعملا ومعرفة ، حسب الإمكان ، وقد جمع ذلك كلّه في قوله تعالى : وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [ سورة العنكبوت ، الآية : 69 ] ، وفي قوله جلّ شأنه : إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ [ سورة فاطر ، الآية : 28 ] ، وعن علي عليه السّلام في قوله : « رحم اللّه امرءا عرف من أين وفي أين وإلى أين » ، وقد جمعها علماء النفس والأخلاق في قولهم : « أوّل العلم معرفة الجبّار ، وآخر العلم تفويض الأمر إليه » ، وعن الصادق عليه السّلام : « من حرم الخشية من اللّه فليس بعالم وإن شقّ الشعر في المتشابهات ، ومن لم يكن عمله مطابقا لقوله فليس بعالم » . فيكون المراد بالرسوخ : الرسوخ العملي المنبعث عن العلم بالمعارف الحقّة ، حتى يدخل في قوله تعالى : أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [ سورة المجادلة ، الآية : 22 ] ، فيصير القول والعمل والاعتقاد شيئا واحدا ، فتسري الروح الإيماني من القلب إلى العمل ، بل من العمل إلى القلب ، لأن